انخرطت وزارة المالية خلال الخميس الماضي في فعاليات يوم الخدمة في مشهد إنساني واستثنائي جسد معاني الانتماء وروح العمل الجماعي..حيث تلاشت الفوارق الوظيفية.. وذابت الحواجز الادارية..ليقف الجميع على مستوى صف واحد تجمعهم غاية واحدة هي خدمة مؤسستهم دون حواجز او عوائق ..كان الاندماج كاملا حتى بدا وكأن الوزارة قد ارتدت زيا جديد و موحد يحمل شعار روح الفريق الواحد الذي يدرك ان النجاح لا تصنعه المناصب والمظاهر.. وانما تصنعه الارادة الصادقة والايدي المتكاتفة.. وفي المقابل كان هناك انشطار جميل..قادته ادارة الجودة.. انشطار لا يبعثر الصفوف بل يوزع الادوار دون الاكتفاء بالمتابعة فتجدها تهب لتشعل جذوة الحماس هاهنا وتقود حملة الاصحاح هناك.. لتتوزع المجموعات وتتنشر لتغطي ارجاء واركان الوزارة في حملة دك وهدم مشترك لاوكار الطاقة السالبة(بيوت العنكبوت وماتواري من ذرات التراب وماتكدس من المهملات والكراكيب)كل يؤدي مهمته بحيوية ومسؤولية..في لوحة تنطق بالنظام والعطاء والانسجام.
ولعل اجمل ما ميز هذا اليوم هو ذلك المشهد الإنساني الاسر الذي جمع بقاعة المالية الوزير بالغفير والمدير بالموظف.. والرئيس بالمرؤوس.. دون تكلف او تصنع..حيث الجميع حرص فيما حرص على ارتداء ثوب الخدمة والوطنية..وحمل ذات الرسالة..فغدت المناصب مجرد مسميات..بينما علت قيمة الإنسان العامل على ماعداها من اعتبارات طبقية
وفي اجواء ملؤها الألفة والتعاون..ترجمت ساعات اليوم الى فعل متماسك يعكس روح الاسرة الواحدة.. بحيث امتزج صدق الابتسامة بجدية الاداء.. وتعانقت قيم الاحترام والتواضع مع ثقافة وحب الاخر وقدسية الانجاز.. ولم يكن الهدف مجرد اداء اعمال خدمية روتينية بقدر ماكان ترسيخ لمفهوم ان المسؤولية المشتركة هي اساس وركيزة نهوض المؤسسات الناجحة.. وان القيادة الحقيقية تتجلى في المشاركة قبل رفع سبابة التوجيه.. وفي امتطاء صهوة القدوة الحسنة قبل صرف قائمة من التعليمات والاوامر
لقد كان هذا اليوم رسالة عملية بان الخدمة ليست واجبا وظيفيا فحسب..وإنما ثقافة وسلوك حضاري يعزز الانتماء ويغرس روح المبادرة..وما شهدته وزارة المالية يؤكد ان المؤسسات التي يجتمع فيها الجميع على قلب رجل واحد.. قادرة على تجاوز التحديات وصناعة النجاح بثقة واقتدار.
وان انقضى يوم الخدمة بامر الترحيلات واوآن وقت الانصراف الا انه ترك اثرا باقيا في النفوس..حمل في توقيعه ان اجمل صور العمل هي تلك التي تتخللها روح الإنسانية لتضخ في الشرايين حب المشاركة والبذل والعطاء وسيظل ذلك المشهد الذي جمع بين الوزير والغفير في إئتلاف محبب رمزا لشفافية الهدف ودليل على ان المؤسسة والمنشاة تبنى بسواعد جميع منتسبيها مهما اختلفت مواقعهم ومسمياتهم الوظيفية فالانتماء زرعة خضراء تنمو بالحب والترابط الاسري.
واجمل ما علق بالذاكرة من تفاصيل ذلك الحدث بجانب الكلمات و محتوى البرنامج تلك اللفتة الإنسانية الباذخة التي اختزلتها صواني الضيافة التي ازدانت بحبيبات البليلة.. وبلح حلو يفيض بكرم الارض.. وكركدي احمر قاني يروي العطش ويُنعش الارواح.. كانت ضيافة تبدو في ظاهرها بسيطة جدا لكنها في حقيقتها محملة بدلالات ثقافية واجتماعية عميقة تنطق باصالة انسان السودان لتجسد موروثا ظل يتناقل من جيل الى جيل فالبليلة في الوجدان السوداني ليس مجرد طعاما فحسب بل هي رمز للالفة والتكافل حاضرة في مناسبات الفرح وايام النفرة ولمات الاهل واستقبال الضيوف.. وحاضرة بقوة في لحظات الشكر بعد انكشاف الكرب.. فهي طبق يحمل دفء البيوت ورائحة الطفولة وكرم الامهات والحبوبات حتي غدت جزء اصيل من الهوية القومية
فالبليلة ليست مجرد حبوبٍ يُحسن انضاجها..وانما حكاية وطن.. ومسيرة اجيال..وذاكرة بيوت عرفت ان الكرم لا يُقاس بفخامة الموائد..بل بصدق النوايا ودفء القلوب..فهي رفيقة ايامنا البيضاء..وموائد رمضان..حاضرة في النذور وايام الشكر.. وفي كل مقام يُراد فيه ان تجتمع القلوب قبل الايادي. وما زلن الحبوبات يقدمنها بوقار الطقس الاجتماعي الجميل(كورية وحفنة بلح).. وكأنهن يلقن الابناء مع كل لقمة تنزل الجوف قيمة من قيم المحبة والتكافل والتراحم.
وفي الثقافة السودانية تكتسب البليلة معنى يتجاوز الطعم والطعام فهي رمز للبركة..وعنوان للبساطة التي لا تُنقص من الكرامة شيئا بل تزيدها اصالة و بهاء انها واحدة من تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت الشخصية السودانية..وجعلت الضيافة فعل إنساني صادق يسبق المظاهر الخادعة..
ولذلك لم يكن اختيارها في يوم الخدمة بوزارة الماليةامرا عابرا.. بل بدا وكأنه استدعاء فطن لذاكرة المجتمع واستحضار لموروث عريق في مقام يستحق الحمد والثناء.. فقد شاءت الاقدار ان تعبر اسرة وزارة المالية بمحطات عصيبة.. بدءا من حادث الترحيل الذي تعرض له عدد من منسوبيها.. ثم الحادث الذي تعرضت له السيدة الوزيرة برفقة عدد من الزملاء الاعزاء.. لكنها كانت الطاف الله التي سبقت البلاء..ولطفه الذي احاط بالجميع.. فكانت النجاة نعمة تستوجب سجود القلب قبل الجباه..ومن اجمل ماحمله الموروث السوداني انه علم الناس ان للشكر طقوسا لا تحملها بطون الكتب..وإنما يحفظها الوجدان لتُترجم في اكرام الضيف..وبسط موائد الطعام لتجتمع الوجوه على المودة والمحبة والدعاء الصادق الذي يخرج من القلوب قبل الشفاه. ولذلك جاءت تلك الصواني لتغزو القاعة كرسول نوايا حسنة تخبرنا ان الحمد لله لا يكون بالقول وحده.. وإنما يُرى في الفعل.. ويُذاق في اللقمة ويُحس في دفء اللقاء..
هكذا كانت البليلة في تلك الظهيرة بجانب البلح والكركدي..اكثر من مجرد ضيافة فقد كانت نصا سودانيا محتشدا.. كُتب بلغة الكرم والكرام.. وخُتم بالشكر لله على نعمة النجاة..وقد كان في الفكرة استدعاء لارث الاجداد ليذكرنا بان الشعوب العريقة لا تحفظ تاريخها في الوثائق والارشيف وإنما تحفظه ايضا فيتاصيل عاداتها الجميلة وفي الاطباق الشعبية التي تجمع الناس حول معنى واحد(ان النعم تُصان بالشكر..وان الفرح يكتمل حين نتقاسمه بسخاء نفس مع الآخرين
(فالبليلة في السودان ليست طعاما يُقدم بل رسالة محبة معطونة بماء المحنة والحنين لتحكي شيمة شعب يؤمن بان ابسط الاشياء قد تحمل اعمق معاني الامتنان)وحتى الملتقي في يوم خدمة اخر يفيض بالفعل والانجاز)
✍ / اعلام وزارة المالية

