عندما سُئل الاعلامي المصري أحمد منصور مقدم برنامج (بلا حدود) على قناة الجزيرة عن الزمن الذي يستغرقه في إعداد حلقات برنامجه اجاب بانه امضى اكثر من عامين في التحضير لسلسلة حلقات مع الفنان مارسيل خليفة.
لم تكن الاجابة عابرة بالنسبة لي فقد كانت كافية لان تصرف انتباهي عن متابعة بقية الحوار وتفتح بابا واسعا للتامل في قيمة الإعداد وفي الفارق الهائل بين عمل يُصنع على مهل وآخر يُدفع الى الجمهور قبل ان يكتمل نضجه.
في بلادنا كثيرا ما نتباهى بسرعة الانجاز اكثر من جودة المنجز.. نستطيع ان نقيم مهرجانا في يومين.. وننتج برنامجا اذاعيا او تلفزيونيا في ساعات..وننجز فعاليات كاملة تحت ضغط اللحظة..ثم نستغرب لماذا تغادر اعمالنا الذاكرة سريعا..والحقيقة ان ما يُقطف قبل اوانه لا يكون سوى ثمرة باهتة..فهي مجرد ثمار لم تنضج بعد..مهما بدا بريقها في البداية.. ستظل محدودة الاثر..سريعة النسيان.
فالاعداد ليس وقتا مهدورا..بل هو الجزء الاكثر قيمة في اي مشروع..فبعيدا عن الاضواء تُصنع الفكرة.. وتُراجع التفاصيل.. وتُختبر الاحتمالات.. ويُبنى النجاح الحقيقي.. ليكون ما يراه الناس في النهاية ليس الا الوجه الاخير لرحلة طويلة من التفكير والانشغال والعمل الدؤوب.
فالتفاصيل هي العمود الفقري لاي مشروع ناجح..وهي التي تمنح العمل روحه وصلابته.. وتجعله قادرا على البقاء في الذاكرة مهما تقادمت السنوات..
ولعل هذا ما شدني وانا اتابع الحماس والحركة اللذين ميزا الشاب الإعلامي مصعب شرف الدين ومن معه.. وهم يقودون التحضيرات ويعدون العدة لانطلاق النسخة الرابعة من فعاليات صناعة عقلية التطور عبر جمعية الارتقاء الثقافية
والتي احتضنتها ولاية نهر النيل..لم يكن الحماس وحده هو ما يبعث على التفاؤل.. بل ذلك الانشغال الدقيق بالتفاصيل.. والاعتقاد بان جودة المخرجات تبدا بالرعاية منذ نقطة الانطلاق.. فلم يكن الامر لديهم مجرد استعداد لفعالية عابرة.. بل كان ايمانا واضحا بان النجاح يبدا قبل لحظة الافتتاح بوقت طويل..وان ما يراه الناس على دكة العرض ليس سوى الثمرة الاخيرة لرحلة طويلة من التخطيط والمتابعة والشغف.
ورغم انني لم اكن من المشاركين في الفعالية.. فانني كنت على يقين منذ البداية بان البرنامج سيخرج بالصورة التي تليق به.. ليس لان القائمين عليه يملكون الحماس فحسب..وانما لانهم ادركوا ان جودة العمل تبدا من جودة الاعداد..وان التفاصيل الصغيرة التي قد يتجاوزها البعض هي ذاتها التي تصنع الصورة بالغة الاثر.
فالتجارب الناجحة لا تولد صدفة..ولا تصنعها الارتجالات مهما جاءت منمقة..فكل دقيقة تُنفق في التخطيط السليم تجعلنا نتلافى ساعات من الارتباك اثناء التنفيذ..وكل تفصيلة تُراجع بعناية تمنح المشروع فرصة اكبر لان يحقق غايته المنشودة.
وقد ازددت يقينا واقتناعا كلما شاهدت تجربة ناجحة بان الفرق بين العمل العادي والآخر الاستثنائي لا يكمن في الامكانات وحدها..بل في مقدار العناية التي احيط بها منذ لحظة بزوغ الفكرة الاولى.
فالاعمال التي تُعد على مهل.. وتستوي في هدوء..هي وحدها القادرة على البقاء والتاثير..اما ما يُصنع على عجل.. فمهما بدا متكاملا.. فانه لا يلبث ان يلمع للحظة ثم يخبو سريعا.. وتسقطه ذاكرة الايام…فالنجاح ابن التخطيط..ورفيق الصبر.. وحليف التفاصيل.. وكل مشروع يُمنح فيه الاعداد حقه ومستحقه يمنح نفسه فرصة حقيقية لان يبقى في الذاكرة..لا ان يكون مجرد حدث عابر ينتهي باسدال الستار وانتهاء موجة التصفيق.
ربما لهذا السبب ظلت اجابة احمد منصور عالقة في ذهني اكثر من الحلقة نفسها.. لانها لم تكن تتحدث عن برنامج تلفزيوني..بل عن فلسفة كاملة في صناعة النجاح.. فلسفة تقول ان الاعمال العظيمة لا تُنجز بسرعة.. وإنما تُصنع بصبر..وتُروى بالعناية..حتى يحين اوان قطافها.
ان الانطباعات الايجابية والاشادات بحجم العمل التي تلقيتها من عدد من الاخوة الزملاء الاعلاميين.. تدفعني إلى ان اشد على ايدي مصعب واخوته..وان احثهم على مواصلة هذا النهج.. وبذل المزيد من المبادرات الهادفة التي تسهم في خدمة المجتمع وتعزيز العمل المؤسسي الهادف.
✍ فاطمة الزهراء / اعلام وزارة المالية

