خطوة اولى:
عندما بلغنا المرحلة الثانوية.. كان اكثر ماشد انتباهنا ومصدر فخر وابتهاج لنا تمليكنا تربيزة بدرج خشبي محكم الاغلاق ومقعد حديدي.. لم تكن التربيزة في نظرنا مجرد قطعة من الاثاث المدرسي كانت شيئا اشبه مايكون بصك الملكية الخاصة.. وعلامة صغيرة على اننا بدانا نخطو نحو عالم الكبار..وكان الامر كله بمثابةتدريب مبكر على الاعتماد على النفس وتدبر الامر..تمنحك المدرسة درجا ومقعدا.. وتتكفل الاسرة بالطبلة والمفتاح..وهكذا يصبح لك عالمك الصغير الذي لا ينازعك فيه احد. تضع كتبك في الدرج.. وتقفل عليه بالمفتاح..وربما اعدت عملية فتحه واغلاقه اكثر من مرة..لمجرد ان تشعر بذلك الاحساس الزاهي بان لك شيئا يخصك وحدك ولايشاركك فيه احد
كانت (الطبلة)في تلك الايام شيئا له شان..مفتاح صغير.. ولكنه كان يمنحنا شعورا كبيرا بالاستقلال.. وكنا من فرط براءتنا.. نظن ان من يملك درجا ومفتاحا قد ملك الدنيا.. او على الاقل صار ملك زمانه.. لا ينازعه في ملكه احد.
وانني حين استعيد الق تلك الايام الخوالي الآن اتعجب كيف كانت الاشياء الصغيرة تكبر في اعيننا حتى تصبح عالما موازيا للكبار.. تربيزة بدرج.. مقعد حديدي.. طبلة ومفتاح… هذا كل ما كان يلزم ليصير للواحد منا مملكة.. ولم نكن نعرف..ونحن نفرح بها ذلك الفرح الغامر..ان الايام التي كنا نحسبها عادية ستصبح بعد ان تتواري خلف قضبان السنوات من اثمن ما بقي لنا من العمر.
ربما لم تكن قيمة تلك التربيزة في خشبها ولا في درجها..وانما في انها كانت اول شيء نشعر انه لنا.. واننا مسؤولون عنه..كانت تعلمنا من حيث لا ندري معني الانتماء بان يكون لنا مكان وان نحفظ فيه ما نملك.. وان نفتح ونغلق ابوابنا بايدينا. ولعلنا لم ندرك يومها ان تلك الاشياء البسيطة كانت تهيئنا على طريقتها الهادئة.. للحياة الجادة التي تنتظرنا خارج اسوار المدرسة.
خطوة ثانية:
كل ما يتصل بالرسالة التعليمية يمتلك قدسية استثنائية..لانها ليست مجرد مهنة تؤدى..ولا وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات العمل.. وانما هي رسالة تتصل ببناء الإنسان.. وصياغة وعيه.. وتشكيل مستقبله.. واعداد الاجيال التي تحمل على عاتقها مسؤولية الغد..
ولهذا كان تواجدنا عبر حفل تدشين الاجلاس المدرسي الخاص بمرحلتي الاساس والمتوسط بولاية نهر النيل الذي وقفت قوافله ممشوقة باحمالها امام مبني صندوق تنمية المحليات بالدامر تواجدا يتجاوز الحضور الجسدي الى حضور الارواح والمشاعر..اذ جعلنا هذا المحفل نشعر بان ارواحنا هي التي تتصل بالمكان.. واننا نقف امام مشهد يحمل من المعاني ما يفوق حدود المناسبة نفسها.
فالاجلاس المدرسي ليس قطعة من الخشب او الحديد وليس مجرد اداة من ادوات البيئة المدرسية.. وانما هو مساحة اولى يتشكل فيها الحلم.. ويجلس عليها طفل يحمل في عينيه طموحات الغد.. وعشم الاسرة.. وآمال المجتمع.. ومن هنا فان توفير الاجلاس المناسب للطلاب هو في جوهره توفير لبيئة اكثر احتراما للعلم..واكثر قدرة على احتضان المتعلم.. واكثر ايمانا بان التعليم يبدا من التفاصيل الصغيرة التي تصنع في مجموعها الفرق الكبير.
ان تدشين الاجلاس المدرسي بولاية نهر النيل الذي اكتمل عبر مسئولية تشاركية جمعت بين عدد من الاطراف المعنية بالعملية التربوية (وزارة المالية ـ وزارة التربية والتعليم.. صندوق التنمية المحلية) يحمل دلالة عميقة.. لانه يؤكد ان الاهتمام بالتعليم لا ينبغي ان يتوقف عند نقطة بعينها بل ان يمتد ليشمل كل ما من شانه ان يجعل المدرسة صرحا صالحا للتعلم وممهدا لاستقبال الابناء والبنات.. ومحفزا لهم على الاستمرار في نيل المعرفة.
وحين نتامل المشهد من هذه الزاوية.. ندرك ان المقعد الذي يجلس عليه التلميذ اليوم قد يكون هو ذاته المكان الذي تبدا منه حكاية تخلق بذرة عالم او طبيب او مهندس او معلم او قائد في المستقبل. وربما لا نعرف اسماء الذين سيتعاقبون على هذه المقاعد لكننا نعرف يقينا ان بينهم من سيصنع اثرا فربما جلس عليه ذات يوما طفل صغير ثم نهض منه بعد سنوات وهو صاحب شاو كبير
ولذلك فان كل جهد يبذل من اجل المدرسة هو جهد من اجل المستقبل.. وكل خطوة باتجاه تحسين البيئة التعليمية هي استثمار في الإنسان قبل ان تكون استثمارا في المكان..وما اجمل ان تتضافر الارادة الجماعية حول قضية التعليم.. وان يصبح الاهتمام بالمدرسة شانا عاما تُدق من اجله الاوتاد لتتشارك همومه المؤسسات والمجتمعات والاسر وكل من يؤمن بان نهضة الاوطان تبدا من مقاعد الدراسة.
لقد كان حضورنا في هذا المحفل تعبيرا عن ايمان عميق بان التعليم قضية تستحق ان نمنحها من وقتنا ومشاعرنا واهتمامنا.. وان الوقوف الى جانب المعلم والطالب والمدرسة ليس مهمة تسويقية بل هو وقوف الى جانب الوطن وتطويره
ومن هنا جاءت مشاعرنا في ذلك اليوم مختلفة..فلم تكن فرحتنا بتدشين الاجلاس فرحة عابرة بمناسبة تنتهي بانتهاء مراسمها.. وانما كانت فرحة بما تحمله الخطوة من رسالة واضحة وبما تفتحه من ابواب للامل.. وبما تؤكده من ان هناك من لا يزال يرى في التعليم الطريق الاكثر ملائمة لبناء الانسان والمجتمع.
ان حكومة ولاية نهر النيل..وهي تحتفي بهذا المشروع البناء كانت تحتفي في حقيقة الامر بابنائها لتحرر لهم رسالة مفادها ان لهم حق معلوم في منشاة تليق باحلامهم.. وحقا في بيئة تعليمية تصون كرامتهم.. وحقا في ان يجدوا من يهيئ لهم الطريق نحو مستقبل اكثر اشراقا.
فطوبى لكل يد اسهمت في هذا العمل.. ولكل فكرة تحولت من حبر على الورق الى واقع ملموس ولكل من جعل من التعليم اولوية.. ولكل من ادرك ان اعظم ما يمكن ان نقدمه لاجيالنا ليس فقط ما نتركه خلفنا من مباني ومشروعات وانما ما نزرعه في عقولهم من معرفة.. وفي نفوسهم من قيم..وفي ارواحهم من قدرة على صناعة المستقبل.
وسيظل التعليم..في كل الاحوال.. هو الرسالة السامية التي تستحق ان نمنحها افضل ما لدينا.. لان الامم لا تُبنى فقط بما تمتلكه من موارد.. وانما بما تنميه من مورد انساني.. والانسان الناجح دوما يبدا اولى حكاياته من بين جدران المدرسة.
ثمة اشياء قد تبدو صغيرة في ظاهرها لكنها تظل كبيرة في معناها.. مقعد يستند عليه طالب.. وسبورة يخط عليها معلم درس جديدا.. وفصل مكتمل الاركان تتعالى في ارجائه اصوات التلاميذ والطلاب وهم يطاردون بشغف حروف المعرفة المختلفة.. اشياء قد تبدو عادية لمن ينظر اليها من بعيد لكنها بالنسبة للطالب الذي جاء الى المدرسة حاملا حقيبته واحلامه تمثل جزء من عالم كامل ينشد من خلاله ان ينعم بالتعلم..لذا تدشين الاجلاس المدرسي هو خطوة في الاتجاه الصحيح ومحاولة جادة لقبض ولو القليل من اثر الماضي الذي ينبغي ان يكون عليه حاضر المدرسة اليوم.. فحين يجد الطالب درجا ومقعدا سيشعر بالدفء وبان هناك من يفكر فيه ومن يري في احتياجاته اولوية من اجل ان يتعلم في ظروف افضل وكأن هناك من يحادثه ويربت على كتفه في ود غير مصطنع بان المدرسة حيزا جميلا يليق بان يكون مستودع تكوين لاحلامه.
وتداع الحكومة عبر شقيها الدستوري والتنفيذي والحرص علي المشاركة في الحدث يتقدمهم والي الولاية ووزيري المالية والتربية والتعليم ومدير صندوق التنمية المحلية وبعض اصحاب الصلة لا يمثل مجرد شكل رسمي لمناسبة تدشين بل يمنح الحدث دلالة سياسية وتنفيذية مهمة
فعندما تجتمع المؤسسات المعنية بالقرار والمال والتعليم والتنمية والادارة المحلية حول مشروع واحد فان ذلك يعني ان معالجة قضية التعليم تحتاج إلى تكامل حقيقي بين هذه الجهات..فوزارة التربية والتعليم تقف في قلب المشهد بحكم مسؤوليتها المباشرة عن المدارس والطلاب والمعلمين..بينما تمثل وزارة المالية الرافعة التي توفر الموارد وتحدد قدرة الخطط على القفز من الاوراق الى ارض الواقع.
وياتي صندوق تنمية المحليات كحلقة تنفيذية اكثر قربا من المدارس والمجتمعات حيث تحديد الاحتياجات الفعلية ومتابعة وصول المشروعات الى مستحقيها.
اما وجود والي الولاية في قلب المشهد فيحمل رسالة بان ملف التعليم يحظى باهتمام على اعلى مستوى حكومة الولاية.. فاجتماع هذه الكتل القيادية حول مشروع يخص التعليم يحمل رسالة قوية فحواها ان التعليم لاينبغي ان يكون ملفا معزولا داخل اروقة وزارة بعينها وانما هو شان وهم عام تتقاطع فيه مسئولية الدولة مع استحقاقات المجتمع فالمال الذي توفره وزارة المالية يتحول الى مشروع ما يخطط له جهاز التنمية عبر رئتيه التنمية القطاعية وصندوق التنمية المحلية ليُغرس على ارض الواقع.. والقرار الذي يصدر بين جنبات مكاتب الدولة يجد تفسيره ومعناه الحقيقي حين يعانق حوجة حقيقية في مكان ما..وهكذا تصبح المسافة بين القرار الحكومي والشارع قصيرة جدا.. لان مايتخذ من قرارات هناك .. ينبغي ان يظهر اثره جليا في حياة المواطن اليومية عبر ملف الخدمات المتعدد الاوجه
ربما يجهل جل الطلاب الذين سيجلسون على هذه المقاعد الجديدة شيئا عن تفاصيل الميزانيات او الاجراءات التنفيذية وبالطبع لن يعنيهم كثيرا كم استغرق المشروع من وقت او كيف جري تمويله.. فهم يريدون شيئا واحدا
ان يجلسوا
وان يفتحوا كتابا
وان يستمعوا الى معلمهم
وان يمضوا في دربهم
لكن حتما سنظل نعلم نحن والمتابعين عن كثب ان خلف هذا المشهد البسيط سلسلة طويلة من المهام والمسئوليات..وبان هناك دوما من يخطط ..ومن يمول.. ومن ينفذ.. ومن يتابع.. ومن يحرص على فتح ابواب المدرسة كل صباح لتستقبل ابنائها.. كل هؤلاء يلتقون بطريقة او باخري عند ذلك المقعد الصغير الذي هو بذرة تخلق حلم كبير…فالتعليم حين يصبح اولوية تحتاج المجتمعات في اوقات التحديات ان تعرف اين تضع موطا قدمها.. واين تنفق مواردها.. وما الذي لايجوز ان يتراجع عنه مهما اشتدت الظروف.. والتعليم واحد من تلك الاشياء التي لا ينبغي ان تتراجع الى الصفوف الخلفية مهما اشتد الخناق وضاقت الفرص
فالطريق إلى المستقبل يبدا غالبا من ذات المكان مدرسة الحي اوالقرية او البقاع البعيدة.. فصل دراسي قد لا يلتفت اليه كثيرون.. لكن داخله طالب يمكن ان يصبح معلما او طبيبا او مهندسا أو مزارعا او قائدا يحمل غدا جزءا من مسؤولية المجتمع.
لهذا فان الاستثمار في المدرسة هو في الحقيقة استثمار في الغد..
وما يبدو اليوم مقعدا مدرسيا قد يكون بعد سنوات جزءا من قصة إنسان ساهم في تغيير حياة الآخرين..وقيمة هذه الخطوة لا ينبغي ان تتوقف عند لحظة التدشين..فالاحتفال سينتهي.. والمنصة ستُطوى ..والسيارات ستغادر.. وستعود المدارس الى صباحها المعتاد…وهناك..في ذلك الصباح.. سيبدا الاختبار الحقيقي.
هل يجد الطالب مقعده؟
هل ستتعهد المدارس مااستلمته من حصص بالرعاية والترميم؟
وهل يصبح الاجلاس بداية لعمل اكبر يشمل مد كل المدارس بالاجلاس الملائم.. وكل ما من شانه ان يجعل المدرسة مكانا صالحا وجاذبا للتعلم؟
هذه هي الاسئلة التي ستمنح المشروع قيمته الحقيقية.
فالمشروعات لا تُقاس فقط بلحظة اطلاقها.. وإنما بما تتركه من اثر بعد ان تهدا اصوات الاحتفال..ولعل اجمل ما يمكن ان تحمله هذه المناسبة هو ان تصبح بداية لمسار طويل لا نهاية لمهمة محددة.
ان تتحول فكرة الاجلاس إلى فكرة اوسع: مدرسة افضل…مدرسة يجد فيها الطالب مقعدا.. وكتابا..ومعلما.. وماء.. وبيئة تحفظ كرامته وتفتح امامه نافذة على المستقبل.
فالنهضة لا تبدا دائما من المشروعات الكبيرة التي تملا العناوين.
أحيانا قد تبدا من مقعد..ومن نافذة فصل يدخل منها ضوء الصباح.
ومن معلم يمسك الطباشير ويكتب اول كلمة على السبورة.
ومن طفل يجلس.. للمرة الاولى في مكان يعرف انه مكانه…ولن يبارحه الا لارتقاء سلم المجد درجة بعد درجة
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمشروع الاجلاس المدرسي في ولاية نهر النيل..ان الحكومة.. وهي تضع يدها على واحدة من ابسط حاجات المدرسة..تضع في الوقت نفسه يدها على قضية اكبر..استقرار التعليم.. واستقرار الانسان..وصناعة المستقبل…فحين يستقر الطالب في مقعده.. حتما سيستقر يومه.
وحين يستقر يومه الدراسي حتما سينمو تركيزه..وحين يزدهر التعليم.. حتما ستنمو المجتمعات…وحين ينمو المجتمع..سيصبح المستقبل اقل غموضا واكثر قابلية لان يُكتب بحروف من نور بايدي ابنائه.
لذلك..ربما لا يكون المشهد مجرد تدشين للاجلاس.. ربما في معناه الاعمق..لحظة تقول فيها نهر النيل لابنائها.. ان مقاعدكم محفوظة في مدرسة المستقبل.. وان الطريق اليها يبدا من هنا..مقعدا لايزاحمك عليه احد.
✍ منال شريف / اعلام وزارة المالية

